الجاحظ
12
رسائل الجاحظ
ان الاستمتاع بالجمال ليس محرما ، هذا هو المبدأ العام الذي ينطلق منه الجاحظ . لقد أبيح الجمال للانسان أنى وجده : في المرأة أو الطبيعة أو في الفنون المختلفة . ويتوقف الجاحظ عند فن الغناء ليبين ان لا وجه لتحريمه لا في الكتاب ولا في سنة الرسول ولا في العقل . ان الغناء شعر مكسو نغما . والشعر كلام موزون ، والكلام غير محرم ، وإذا كان الكلام غير محرم ، فإن وزنه وتقفيته لا يوجبان تحريمه لعلة من العلل . وان الترجيع له لا يخرجه إلى حرام ، وان وزن الشعر وكتاب العروض من كتاب الموسيقى فلا وجه لتحريمه ، ولا أصل لذلك في كتاب اللّه تعالى ، ولا في سنة نبيه عليه الصلاة والسلام . ان دفاع الجاحظ عن الجمال والفن والدعوة للإقبال عليهما ، كانا ردا على موقف المتزمتين الذين اعتقدوا ان الاسلام لم يكن راضيا على الفن ، ولم يشجع عليه ، سواء كان شعرا أو تصويرا أو موسيقى أو نحتا . ان النبي لم يكن راضيا عن الفن الذي يسيء إلى الدين ، أو الذي يصطبغ بصبغة وثنية ، فالنحت يصنع التماثيل والأصنام والتصوير يرسم مخلوقات وآلهة ، والغناء يصد عن ذكر اللّه ، ويلهي الانسان . والشاعر يهيم في كل واد . ولكن النبي لم يحرم الفن الذي يخدم الدين أو يتفق مع تعاليمه مهما كان نوعه ، وقد رد الجاحظ هذه الحجج قائلا : ان اللّه سخر للانسان كل ما في العالم ، بما في ذلك الاستمتاع بالجمال المتمثل في المرأة ، والطبيعة والفنون . وإذا كان الفن محرما لأنه يلهي عن ذكر اللّه « فقد نجد كثيرا من الأحاديث ، والمطاعم والمشارب ، والنظر إلى الجنان والرياحين ، واقتناص الصيد ، والتشاغل بالجماع ، وسائر اللذات ، تصد وتلهي عن ذكر اللّه تعالى » . . . ونعلم أن قطع الدهر بذكر اللّه ممن أمكنه ذلك أفضل ، إلا أنه إذا أدى الرجل الفرض ، فهذه الأمور كلها له مباحة ، وإذا قصر عنه يلزمه المأثم » .